هشام جعيط

310

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الخطط ، والمدعوة أفنية أو رحابا ( جمع رحبة ) ، حيث يستلقي الناس على الرمال طلبا للراحة ، وحيث يجتمعون حلقة لعقد الحوار ، والتي كانت شواطئ داخلية ومساحات للراحة واللقاء وأماكن للمداولات والممارسة الاجتماعية . ويتضح هذا الأمر جيدا في فقرة وردت في كتاب أخبار القضاء ، وتعلقت بالجولات اليومية التي كان يقوم بها الشعبي « 1 » . لكن الصحراء تقع مثلها مثل الجبانة على مستوى أعلى ، فيما يخص الاتساع والوظائف التي تقوم بها . وقد أبدى البراقي رأيا مفاده أن الصحراء كانت مخصصة للاحتفالات والمظاهر والتظاهرات الجماعية وأن الجبانة خصصت للدفن . لكن الدفن كان يقع أيضا في الصحاري حيث أن لبيدا دفن بصحراء بني جعفر بن كلاب ، وقد عرفها البراقي دون شك بأنها صحراء بني عامر « 2 » . وسبق أن رأينا أن الجبانات كانت ، على النقيض من ذلك ، مقرا للتجمعات الكبرى يعني للقتال في الحقيقة . لكن المصادر ظلت صامتة فيما يخص انتشار الناس عند إقامة الاحتفالات على مستوى القبيلة ، بالنسبة للجبانات كما بالنسبة للصحاري . وإذا ما فكرنا أن الصحراء تمثل اللون الشمالي - والشرقي - من بلاد العرب للجبانة ، وبشكل أعم صورة لعالم المدينة في اليمن وحتى في الحجاز ، فإن كانت هناك معادلة ، فإنها غير تامة . لماذا تلصق بصحراء أثير وسالم فقط صفة الجبانة ، دون الصحاري الأخرى ؟ ولماذا لم يعترضنا أي شيء عن الصحاري في روايات أبي مخنف وسيف وعمر بن شبة ، حتى كمجرد علامات طوبوغرافية ، باستثناء ما ورد ذكره في شأن صحراء عبد القيس ؟ « 3 » وليس هناك من قائمة ، على نقصها ، سوى في فتوح البلدان ، للبلاذري . وأخيرا فإن الحالة الوحيدة التي أشير إليها بخصوص الدفن في الصحراء تتعلق بلبيد « 4 » وتستند إلى صحراء جعفر بن كلاب من عامر ، التي لعلها هي جبانة سالم ، مع أن الأمر قليل الاحتمال . وليس ثابتا أن الصحاري قد حددت واختطت منذ البداية مثل الجبانات ولا سيما

--> ( 1 ) وكيع ، ج 2 ص 424 . راجع أيضا الملحوظة في أسفل الصفحة التي تحيل إلى عيون الأخبار لابن قتيبة ، وكلاهما قولان موحيان . ( 2 ) تاريخ الكوفة ، ص 120 . ( 3 ) الطبري ، ج 7 ، ص 182 : ورد ذكر الخبر في صلب الرواية الخاصة بزيد بن علي . ( 4 ) ابن سعد ، ج 6 ، ص 33 . لكن مصعب بن الزبير دفن إلى جانب مسكن بالمكان نفسه الذي أقام معسكره فيه قبل المعركة التي تحمل الاسم نفسه . وما هو ذو دلالة أن المكان سمي « صحراء مصعب » : أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 350 ، حيث يقول البلاذري : « وزعموا أنها لا تنبت شيئا » . حقا إن الصحراء تنتمي إلى مصطلحات مستمدة من الجغرافيا الطبيعية ، إنها مساحة ما من الصحراء المحضة ، مهما صغرت .